عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

144

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

آدم على صورة الرحمن « 1 » وقوله : خلق آدم على صورته « 2 » ، وهذان الحديثان وإن كانا يقتضيان معاني قد تحدثنا عليهما في كتابنا المسمى ب [ الكهف والرقيم في شرح بسم اللّه الرحمن الرحيم ] فإن الكشف أعطانا أنهما على ظاهر اللفظ ، كما أشرنا إليه أولا ، ولكن بشرط التنزيه الإلهي ، تعالى عن التجسيم والتمثيل ، واللّه يقول الحقّ وهو يهدي السبيل . الباب الخامس والأربعون : في العرش اعلم أن العرش على التحقيق مظهر العظمة ومكانة التجلي وخصوصية الذات ، ويسمى جسم الحضرة ومكانها ، لكنه المكان المنزّه عن الجهات الستّ وهو المنظر الأعلى والمحلّ الأزهى ، والشامل لجميع أنواع الموجودات ، فهو في الوجود المطلق كالجسم للوجود الإنساني ، باعتبار أن العالم الجسماني شامل للعالم الروحاني والخيالي والعقلي إلى غير ذلك ، ولهذا عبر بعض الصوفية عنه بأنه الجسم الكلي وفيه نظر ، لأن الجسم الكلي وإن كان شاملا لعالم الأرواح ، فالروح فوقه والنفس الكلي فوقه ، ولا نعلم أن في الوجود شيئا فوق العرش إلا الرحمن ، وقد عبروا عن النفس الكلي بأنها اللوح ، فهذا حكم بأن اللوح فوق العرش ، وهو خلاف الإجماع على أن من قال من أصحابنا الصوفية : إن العرش هو الجسم الكلي ، لا يخالفنا أنه فوق اللوح ، وقد عبر عنه بالنفس الكلي ، ولا شكّ أن مرتبة النفس أعلى من مرتبة الجسم ، والذي أعطانا الكشف في العرش مطلقا ، إذ أنزلناه في حكم العبارة ، قلنا بأنه فلك محيط بجميع الأفلاك المعنوية والصورية سطح ذلك الفلك هي المكانة الرحمانية ، ونفس هوية ذلك الفلك هو مطلق الوجود عينيا كان أو حكميا ، ولهذا الفلك ظاهر وباطن ، فباطنه عالم القدس وهو عالم أسماء الحق سبحانه وتعالى وصفاته ، وعالم القدس ومجلاه هو المعبر عنه بالكثيب الذي يخرجون إليه أهل الجنة يوم سوقهم لمشاهدة الحق ، وظاهره عالم الإنس ، وهو محلّ التشبيه والتجسيم والتصوير ، ولهذا كان سقف الجنة ، فكلّ تشبيه وتجسيم وتصوير من كلّ جسم أو روح أو لفظ أو معنى أو حكم أو عين ، فإنه ظاهر هذا الفلك ، فمتى قيل لك العرش مطلقا ، فاعلم أن المراد به هذا الفلك المذكور ، ومتى قيد بشيء من الصفات ، فاعلم

--> ( 1 ) هذا حديث موضوع لا ريب فيه . ( 2 ) سبق تخريجه .